الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

325

تفسير روح البيان

إلخ اى يوبق سفائنهم بشؤم ما كسبوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ فلا يوبق أموالهم انتهى واجراء حكمه على العفو في قوله تعالى ويعف عن كثير لما ان المعنى أو يرسلها فيوبق ناسا وينجى آخرين بطريق العفو عنهم وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا عطف على علة مقدرة مثل لينتقم منهم وليعلم الذين يكذبون ويسعون في دفعه وابطاله وقرىء بالرفع على الاستئناف عطفا على الشرطية وبالجزم عطفا على يعف فيكون المعنى وان يشأ يجمع بين إهلاك قوم وإنجاء قوم وتحذير قوم ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ اى من مهرب من العذاب والجملة معلق عنها الفعل فكما لا مخلص لهم إذا وقفت السفن أو عصفت الرياح كذا لا مهرب لهم من عذابه بعد البعث فلا بد من الاعتراف بان الضار والنافع ليس الا اللّه وان كل امر عرض فإنما هو بتأثيره وفي الآيات إشارات منها ان اللّه تعالى حثهم على الفكرة المنبهة لهم في السفن التي تجرى في البحار فيرسل اللّه الرياح تارة ويسكنها أخرى وما يريهم من السلامة والهلاك والإشارة في هذا إلى إمساك الناس في خلال فتن الوقت عن الأنواع المختلفة ثم حفظ العبد في إيواء السلامة وذلك يوجب خلوص الشكر الموجب له جزيل المزيد ومنها كما أن السفن تجرى في البحر بالريح الطيبة فتصل إلى الساحل كذلك بعض الهمم تجرى في الدنيا بريح العناية فتصل إلى الحضرة وكما أن لبعض السفن وقفة لانقطاع الريح فكذا لبعض الهمم بانقطاع الفيض وكما أن بعضها نهلك فكذا بعض النفوس في بحر الدنيا نعوذ باللّه تعالى ومنها ان الريح لا تتحرك بنفسها بل لها محرك إلى أن ينتهى إلى المحرك الأول الذي لا محرك له وهو اللّه تعال فلا يجوز الاعتماد على الريح في استواء السفينة وسيرها والا فقد جاء الشرك في توحيد الافعال والجهل بحقائق الأمور ومنها ان الصابر من صبره اللّه والشكور من شكره اللّه فان الصبر الحقيقي والشكر الحقيقي لا يكون الا لمن كان صبره باللّه وشكره باللّه فإنه تعالى هو الصبور الشكور ومنها أن علم اللّه قديم ليس بحادث واما علم الخلق فحادث متأخر ولذلك قال ويعلم إلخ فالعاقل يرى عاقبة الأمر فيحذر كما قيل ( ع ) در انتهاى كار خود از ابتدأ ببين فَما أُوتِيتُمْ پس آنچه داده شده آيد مِنْ شَيْءٍ مما ترغبون أيها الناس وتتنافسون فيه من مال ومعاش وأولاد فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا اى فهو متاعها ومنفعتها تتمتعون وتنتفعون به مدة حياتكم القليلة فيزول ويفنى فما موصولة متضمنة لمعنى الشرط من حيث إن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع به في الحياة الدنيا ولذا دخلت الفاء في جوابها وقدر المبتدأ لان الجواب لا يكون الا جملة يعنى ان سببيته مقصود فيها الاعلام لتضمنها الترغيب في الشكر بخلاف الثانية وهي قوله تعالى وما عند اللّه إلخ فان المقصود فيها بيان حال ان ما عند اللّه سبب للخيرية والدوام وقد يقال إن ما شرطية على أنها مفعول ثان لأوتيتم بمعنى أعطيتم والأول وهو ضمير المخاطبين قائم مقام الفاعل ومن شئ بيان لها لما فيها من الإبهام وَما عِنْدَ اللَّهِ من ثواب الآخرة أشير اليه آنفا خَيْرٌ ذاتا لخلوص نفعه وهو خبر ما وَأَبْقى زمان حيث لا يزول ولا يفنى بخلاف ما في أيدي الناس وفيه إشارة إلى أن الراحات في الدنيا لا تصفو ومن الشوائب لا تخلو وان اتفق لبعضهم منها في الأحايين فإنها سريعة الزوال وشيكة الارتحال وما عند اللّه من الثواب الموعود خير وأبقى من هذا القليل الموجود بل ما عند اللّه من الألطاف الخفية والمقامات العلية